السيد عبد الأعلى السبزواري
19
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
للكلمات ، والفاعل في أتمهنّ هو اللّه تعالى ، ويرشد إلى ذلك بعض الروايات . ويصح أن يكون المتعلق قوله تعالى : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ فتكون الكلمات شيئا آخر . ثم إنّ متعلق « للناس » يصح أن يكون ( إماما ) وقدم للاهتمام به وللتصريح بعموم الإمامة للناس وارتباطها بمصالحهم العامة والخاصة . وقوله تعالى : « إماما » مفعول ل « جاعلك » وهو لا يعمل إذا كان بمعنى الماضي ، كما لا يخفى . بحث كلامي : تقدم أنّ الإمامة هي السلطة الإلهية لتقويم العباد وتنظيم أمورهم الدينية والدنيوية بما يريده اللّه تعالى ، فتكون الإمامة من قسم الهداية الموصلة إلى المطلوب لا مجرد إراءة الطريق وإلّا لزم الخلف . والآيات الكثيرة المشتملة على هذا العنوان تشير إلى ذلك ، قال تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [ سورة السجدة ، الآية : 24 ] فذكر الصبر والثبات يشعر بما تحملوا - في إيصال الخلق إلى المطلوب - من المتاعب والبلايا ، وكذا قوله تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ [ سورة الأنبياء ، 73 ] إلى غير ذلك من الآيات المباركة . إن قيل : لو كانت حقيقة الإمامة هي الإيصال إلى المطلوب لا مجرد إراءة الطريق فقد نرى خلافه في الخارج من عدم وصول عامة النّاس إلى المطلوب الحقيقي مع تماديهم في غيهم وضلالهم . يقال : إنّ الإيصال إلى المطلوب بنحو الاقتضاء لا العلية التامة المنحصرة وإلّا لبطل الجزاء ، فمهما تخلل الاختيار في البين يكون الإيصال بنحو الاقتضاء ، كما هو معلوم . وسيأتي التفصيل في المباحث الآتية . ثم إنّ الإنسان لا بد له من إمام يقتدي به في أفعاله وأعماله ويدبر له